الرفض...كيف أتقبله؟
في مقالي السابق، تحدثت عن الاتزان النفسي و ضبط النفس، و ذكرت في نهايته بعضاً من الأمور التي تساعد بشكل فعّال على تحقيق هذا الاتزان ( اذا لم تقرأ المقال أنصحك بالاطلاع عليه أولا ☺️https://hereis-aya-blogs.blogspot.com/2020/05/blog-post_22.html) و كان من ضمن تلك الأمور "تقبل الرفض" الذي تحدثت عنه بشكل مختصر في نقاط, و لكن في الحقيقة هذا الموضوع أكثر تشابكا من أن يذكر في فقرة, و لهذا قررت التعمق قليلا في التعامل مع الرفض أو الفشل بشكل صحي على شكل مقال حتى يكون دليلا إرشاديا بسيطا و متواضعا ينم عن خبرتي في هذا المجال إليك عزيزي القارئ.
سأبدأ أولا بتعريف التقبل من منظوري الشخصي, كما أنني على وشك تحليل عملية التقبل و التركيز على النمط العام و النمط الخاص لهذه العملية, و أخيرا بعض النصائح التي لن تفيدك بشيء ما لم تركز على رغبتك الجوهرية في التغيير.
تقبل الرفض أو الفشل, هي عملية نفسية و سلوكية يقوم بها الشخص للتعامل مع موقف أو خبر أو مشاعر سلبية بطريقة صحية آمنة تضمن له استقرارا داخليا يؤدي إلى التعامل مع هذه الأمور السلبية بأكبر قدر من السلاسة و المرونة, انتبه إلى أن التقبل هنا تقبل خارجي و ليس تقبلا داخليا, قد تتقبل الحياة و لا تتقبل ذاتك, و ما أتحدث عنه هو تقبل الحياة و مسارها.
لا أعرف عزيزي القارئ فيم إذا كنت قد تنبهت إلى شيء ما, و هو أنني لم أقم بذكر ( الإيجابية) بتاتا في التعريف, على الرغم من أن معظم النصائح التي سوف تتلقاها من أحبابك بعد التعرض للرفض سوف تحوي بنسبة 90% كلمة تفاؤل و إيجابية, و هذا فخ كارثي و ستعرف لماذا قريبا, سبق و أن أخذت هذه الكلمات بعين الاعتبار في حياتي, أضمن لك بأن نتائجها ليست مبشرة جدا, و ما استنتجته فيما بعد أن التقبل صفة من صفات المتفائلين, و لكن التفاؤل الشديد أو المركز ليس جزءا من عملية التقبل.
إذا, هل القيام بعملية التقبل سهل؟ في الحقيقة هذا النوع من الأسئلة يعتبر مبتذلا, لأن الأمور دائما ما تكون نسبية و مختلفة من شخص لآخر, الرفض و الفشل كلمتان مترابطتان غير متطابقتين, لكن ارتباطهما معا بهذا الشكل يجعل من الصعب فصل مفهوم إحداهما عن الأخرى, لأن التعرض للرفض يرافقه الشعور بالفشل, و التعرض للفشل كذلك يرافقه الشعور بالرفض, لأضرب لك مثالا على ذلك:
في حال رفضتك فتاة ما اعترفت للتو بحبك لها, سوف تشعر بالفشل على الرغم من أنك قد تكون مصدر اهتمام لفتيات أخريات, و بالتالي أنت لست فاشلا مثلا في لفت انتباه الفتيات و لا تنطبق عليك كلمة فاشل! لكن هذا الشعور لا بد منه لأنك لم تحصل على ما تريد تحديدا, أنت لم تفشل بل رُفضت, و لكنك تشعر بالفشل, و هناك فرق بين التعرض لشيء و الشعور به.
و بالمثل على افتراض أنك أنشأت شركة و فشلت و أفلست, هذا لا يعني رفض السوق لمنتجك على سبيل المثال, بل إن منتجك و أفكارك قد تكون مطلوبة و يرغب بها الناس و لكنك فشلت بالتسويق له. الذي حدث هنا فشل و لكنه يتضمن الشعور بالرفض, أنت لم تنرفض و ما تتعرض له مجرد مشاعر رفض.
أتمنى أن يكون هذا المثال يوضح لك الفرق البسيط بين المفهومين, و ما أحاول إيصاله أنهما مختلفين و لكن التعرض لأحدهما يستدعي الشعور بالآخر.
للتقبل نمطين, إحداهما ثابت و الآخر متغير مع تغير الظروف و طبيعة الشخصية, و لكن المشي على النمط الثابت الأول سوف يختصر عليك الكثير عند اتباع النمط الثاني.
النمط الأول... أدعوه بـ "نمط المواجهة"
و هو أكثر تعقيدا على الرغم من أنه ثابت, لأنه يجدر العمل به عند أول ثانية من تلقي الخبر أو الموقف السلبي, و غالبا يكون وعي الإنسان في تلك اللحظة خارجا عن السيطرة لبضع ثوان, هي ثوان معدودة و تأثيرها قد يحطم فعاليتك عند اتباع النمط الثاني الذي سأذكره لاحقا, و بالتالي التأثير المباشر على السلوك و العواطف, و كذلك الإنتاجية و التعبير عن المشاعر, و سيحدث هذا تحطما شاملا لصحتك النفسية في تلك الفترة و التي سيصعب نوعا ما إعادة بنائها بسرعة.
حتى تكون شخصا يتعامل مع الموقف بطريقة صحية, يجدر بك أولا أن تعرف ما هو الشيء الذي تتعرض له الآن, رفض أم فشل؟
بالطبع لا تملك الوقت الكافي لتحليل الموقف و بالتالي فإن التعرض للرفض سيجعلك تشعر بالرفض و الفشل معا و العكس صحيح, لذا فأنت ستشعر بشعور حقيقي و آخر وهمي.
إذا لنقل أنك رُفضت من وظيفة لطالما تمنيت الحصول عليها, و كنت جالسا في غرفتك و تلقيت هذا الخبر عبر الهاتف "نعتذر لم يتم قبولك للعمل في هذه الوظيفة" ما هي أهم الأمور التي يجب عليك أخذها بعين الاعتبار عند الاستجابة لهكذا اتصال؟
أولا قبل ذكر هذه الأمور, تذكر انها ليست خطوات أو نقاط تتبعها بالحرف, أنت لن تراجعها في رأسك و تقول يجدر بي فعل هذا ثم ذاك, لن تملك الوقت و السيطرة لفعل ذلك, لكن عند وضع هذه الأمور معا في عين الاعتبار, أقلها ستتذكر واحدة أو اثنتين, و عند تطبيق إحداهما ستبدأ بتذكر الباقي تلقائيا.
نمط المواجهة ينص على الآتي:
*عندما سماع أي خبر أو موقف أو كلام سلبي, اصمت قدر ما تستطيع و لا تقاطع المتحدث أو الموقف, بل و حاول أن تبقى صامتا حتى بعد انتهاء ذلك الأمر لوهلة من الزمن, ابقى صامتا حتى لو كنت تبكي أو ارتفعت حرارتك من الغضب أو أي استجابة جسدية أخرى, الصمت مفتاح مهم أؤكد لك هذا.
*كذلك حاول أن تغير من وضعية جسدك, فإن تلقيت الخبر السلبي و أنت واقف حاول ان تقعد, و إن كنت جالسا قف, يمكنك أيضا أن تمشي , ألم تلاحظ أنه في الأفلام حينما يتلقى البطل اتصالا أو خبرا مفاجئا يقف بالحال إذا كان جالسا؟ هذا ليس من فراغ و هو ردة فعل تلقائية و لكن الكثيرين يقاومونها لأنهم يرغبون بالتركيز أكثر على ما يقال لهم, و لكن في حال كنت صامتا أصلا و قمت بتغيير وضعية جسمك فلن تفقد تركيزك, بل على العكس سوف تركز على نقاط مهمة لم تكن لتركز عليها لو كنت تتحدث أو تصرخ و وضعية جسدك ثابتة.
هناك أيضا نقاط مهمة فرعية قد لا يمكنك تنفيذها في جميع المواقف, و لكن إن كنت تستطيع نفذها للحصول على قدرة أكبر من السيطرة:
*اشرب الماء بطريقة متقطعة و بكميات قليلة كل مرة, أولا يساعدك على التنفس و الارتواء, ثانيا يضبط لك أعصابك قليلا, و ثالثا يمكنك مقاومة الرغبة بالصراخ أو التحدث بشرب الماء كل مرة.
*إذا كنت في مكان يعج بالضجيج حاول أن تخرج منه, أنت أولا تغير من وضعية جسدك من الوقوف أو الجلوس إلى المشي, و ثانيا لن يرتفع مستوى غضبك بسبب الإزعاج.
*الحفاظ على مستوى تنفس عميق يعد أمرا غاية في الأهمية, لكن تطبيقه صعب بسبب فقدان التركيز, فأنت ما زلت في إطار الصدمة بعد, و لذلك فإن التنفس العميق قد يدخل في قائمة النمط الثاني, و لكن إذا كنت عزيزي القارئ على قدر من السيطرة و التركيز فإن الحفاظ على التنفس يغير الكثير.
لا تنسى أن تلقي خبر رفض يختلف من شخص إلى آخر و من ظرف إلى آخر, فالرفض من وظيفة ليس كالرفض من حياة شخص ليس كرفض أحدهم لتنفيذ طلب لك, كذلك الفشل في اختبار ليس كالفشل في مشروع أو الفشل حتى في إظهار المشاعر أو التعبير, لهذا سننتقل الآن إلي الجزء المهم و هو النمط الثاني الذي أدعوه بـ "نمط الاستجابة"
كل ما ذكرته بالأعلى هو استجابة سلوكية فقط, لأنك لن تتحكم في مشاعرك و غالبا ستبكي عند تلقي خبر أمرٍ محزن و ستغضب و ستشعر بالقهر و جميعها ليس من الأفضل كتمانها, و قد قلت لك عزيزي القارئ اللطيف أن الأمور تختلف و لكن اتباع طريقة النمط الأول قد تكون شاملة و فعالة مع جميعها, أما بالنسبة إلى هذا النمط فهو أكثر تعقيدا من حيث التحليل و ليس من حيث التطبيق, فالنمط الأول لا يتضمن تحليلا للموقف بل هو مجرد سلوك يخفف من العبء النفسي في الثواني الأولى و صعوبته تكمل في السيطرة و التطبيق أكثر, أما هذا النمط فيتضمن القوة اللازمة للتعامل مع أفكارك و عواطفك دون اتباع سلوكيات جسدية معينة.
و الآن بالعودة إلى مثال الرفض من الوظيفة, أنت كشخص تطبق عملية التقبل طبقت مفهوم الصمت طوال وقت تلقي الخبر على الهاتف, كنت جالسا على مكتبك فوقفت, مشيت أيضا و أحضرت بعض الماء, أردت أن تسأل لماذا حدث ذلك و لكنك تعلم بأنك لن تتلقى إجابة ففضلت الصمت و لكن لم تستطع, لذلك شربت بعض الماء, بالطبع كنت غاضبا و أردت ضرب شيء ما لذلك قررت مجددا أن تغير من وضعية جسدك و تمشي بعد أن كنت واقفا, و بالنهاية أغلقت النافذة حتى لا تنزعج من الأصوات الخارجية و حينها وقت المكالمة انتهى و لديك الآن خيارين للتعامل مع الخبر الذي تلقيته توا, إما إفراغ الغضب بالصراخ و الضجيج أو الانتقال إلى الخيار الثاني و هو التقبل:
هنا, أنت لديك وقت كاف نوعا ما لتحلل ما إذا كان ما تتعرض له رفضا أم فشلا, أنت قلت لنفسك أنك تملك مؤهلات جيدة لهذه الوظيفة و أنت لست فاشلا, على الرغم من أنك تشعر بالخزي و الفشل و هذا أمر محتم, و لكنك على الأقل تعلم بأن ما تعرضت إليه تجربة رفض.
كل شخصية لديها طريقتها في التعامل مع الأمور, فبعضهم يفضل البقاء صامتا و بعضهم لا بد له من أن يبكي و هكذا, و ما سوف أذكره الآن يعتمد على ضبط المشاعر اكثر من السلوكيات, حيث أن ضبط السلوك في البداية أي باتباع النمط الأول يجعل من السهل أن تسيطر على سلوكك بعد ذلك و تركز أكثر على ضبط مشاعرك التي لم تركز على ضبطها عند اتباع نمط المواجهة. لا بأس عزيزي القارئ المشوش, قمت بعمل خريطة ذهنية بسيطة من أجلك :
الآن ضبط المشاعر لا يتعلق بالتوقف عن الشعور, و لا بإجبار الذات على الإيجابية المطلقة, إذا كنت قد قرأت مقالي السابق سوف ترى ذات النقاط التي ذكرتها فيه هنا و لكن بشكل مفصل.
* من المهم أن تفهم أن الدنيا لا تُحيا بالصدفة, و أن هناك شيء ما جيد لا تستطيع أن تلمسه أو تراه الآن في الوقت الحاضر بتعرضك للرفض, و لكن هذا لا يعني أبدا أن تتوقف عن المحاولة, لأن رفضك في المرة الأولى لا يعني رفضك نهائيا.
* أيضا يجب أن تفهم أن سقف توقعاتك لا يجدر به أن يكون عاليا بشأن شيء محدد, مثلا أن تقول لنفسك أنا ممتاز لهذه الوظيفة و أمتلك من المؤهلات ما يجعل كسبها سهلا! لكن فقط قل لنفسك بأن مؤهلاتك عالية بحيث أنك ستحصل على وظيفة تناسبك عاجلا أم آجلا, و بالتالي فإن تم رفضك من هذه الوظيفة المحددة, ما يزال عقلك الباطن يحتفظ ببعض التوقعات العالية التي سوف تساعدك على الحفاظ على قوة إرادتك من أجل السعي خلف فرص أكثر.
* من المهم أن تحصل على مساعدة نفسية حينما تتعرض إلى الرفض, كيف؟ في الحقيقة يعتمد الأمر عليك و على مستوى قوة علاقاتك, من الأفضل أن تتحدث عن الأمر مع نوعين من الأشخاص ( شخص يفهمك جدا, و شخص مر بنفس تجربتك سابقا) لأن غير هذا النوع سوف يكون أقل اهتماما (و لا يعني هذا انعدام اهتمامه) أو سوف يشعر بالسعادة و يخفيها لأنه يراك تفشل. النوع الأول قد يكون أيضا شخص يحبك جدا, لكن كون شخص يحبك لا يعني بالضرورة بأنه من النوع المتفهم لطبيعة مشاعرك, لذلك ابحث عن شخص تعلم أنك يملك القدرة على الإحساس بالآخرين, قد يكون شخصا معرفتك به معرفة سطحية! إذا لم يكن النوع الأول متوفر حاليا, على الأقل ستجد الثاني بسهولة عبر منصات التواصل الاجتماعي, كاليوتيوب أو حتى مجموعات الفيسبوك, ستكون في عالم افتراضي و مع ذلك سترى أن هناك من يعاني مثلك, كذلك ستتعرف على طرق و أساليب الناس لمواجهة ذات النوع من الرفض و كيف تخطوا ذلك. لماذا إذا لا تنشر خبر رفضك حتى تحصل على أكبر قدر من الدعم؟ في الحقيقة يختلف الأمر نسبيا و لكن لا يهتم الآخرين كثيرا بهذه الأمور, يميل الناس للظن بأنهم الأكثر بؤسا و إذا ذكرت لهم أنك تشعر بالحزن لرفضك من وظيفة سوف يقولون لك " على الأقل أنت لم تمر بكذا و كذا, انظر إلي أنا أعاني أكثر منك بكذا و كذا" لذا حاول البحث عن شخص يقدر قيمة حزنك على شيء مهما كان سخيفا بنظر الجميع, أما السبب الثاني, فمثل هذه المواقف قد يذكرها الناس لك بطريقة هدامة مستقبلا, مثلا إذا حصلت بعد فترة على وظيفة أخرى و كنت سعيدا, سيأتي أحدهم و يخبرك شيئا مثل :" هذه الوظيفة لا تضاهي شيئا أمام الوظيفة السابقة" و بالتالي قد تشعر بألم الرفض و الفشل مجددا و أنت في غنى عن ذلك, أما إذا كان خبر أنه تم رفضك أقل انتشارا, سوف تتذكره أحيانا بينك و بين نفسك ستكون مشاعرك أقل إيلاما, قد تشعر أيضا بالفخر لكسب الوظيفة الأخرى, في النهاية يعتمد ذلك على إيجابية نظرتك للأمور.
*كما قلت لك سابقا, تختلف ظروف الرفض, لكن هناك شيء ما يجدر بك أن تتذكره عندما يتعلق الأمر بالمنافسة أو المشي مع التيار أو أيا كان اسمه, فعلى سبيل المثال, لست مضطرا لإكمال دراستك الجامعية و التخرج بالتزامن مع وقت تخرج أصدقائك و في عمر محدد ثابت! و لست مضطرا للزواج في عمر الخامسة و العشرين لأن أخاك فعل ذلك! لماذا أذكر هذا الأمر؟ لأنه مثلا إذا رفضتك فتاة في عمر الخامسة و العشرين فهذا لا يعني أنك فشلت و أصبحت أعزبا ( طبعا إذا كان مفهوم العزوبية يدل على الفشل من وجهة نظرك) كما أن دخولك المتأخر للجامعة قد يعطيك فرصا أخرى تناسبك أكثر مستقبلا قد يكون أحدها اختيار تخصص لم تكن لتفكر فيه إذا ما بدأت بالدراسة الجامعية مباشرة. و هذا ما يجب بك أن تؤمن فيه (لديك نطاقك الزمني الخاص) لديك طريق تم إنشاؤه خصيصا من أجلك, هذا الطريق مجهز لاستيعاب قدراتك الخاصة و إعطائك أكبر قدر من الفرص التي تناسبك أنت وحدك, أذكر بأنني رأيت مقطع فيديو لشاب صغير يتقن ثلاثة و عشرون لغة! لا أدري لكنني شعرت حينها بالفشل المريع لأنني أريد أن أكون مثله بشدة, حتى اكتشفت مؤخرا أنني أميل للإعجاب بأغنية أجنبية لا أفهمها, استمتع أكثر حينما أستمع إلى شيء مجهول, و أشعر بأنني لو كنت أتقن ذاك العدد من اللغات لكنت فقدت نعمة الشعور بالفضول و الاستمتاع و حب الاكتشاف عند الاستماع إلى لغة معينة لا أفهمها. هذا مثال بسيط و لكنه ليس الوحيد, و بالطبع هناك أمر آخر مهم, كونك تمشي في طريق معين لا يعني أن تتجاهل كل شيء و تبحث عما يناسبك, تذكر أنك تمشي في طريق لا تراه و لا ترى ما يحتوي و مهما فعلت فإنك دائما تقف أمام احتمالية اكتشاف قدرات أخرى خفية عندك, يجدر بك أن تجرب كل شيء, و حتى أنه من الأفضل أن تعيد المحاولة إذا تم رفضك في شيء و أن تغير أسلوبك و تسعى بكل جهدك للحصول على ما أردته إذا كنت ترى أن ذلك الطريق مناسب لك, خلال هذا البحث و المحاولات سوف تظهر لك فرص ذهبية قد لا تدرك أهميتها في البداية, لكن استغلالك لها قد يغير مسار حياتك بأكمله فهي تشبه الطرق المتفرعة في الطريق الرئيسي التي قد تؤدي إلى تغيير مسار حياتك و جعلك تسلك طريقا أكثر جمالا و بريقا.
المهم.....لم ينته الأمر هنا, بل بقي علي تذكيرك ببعض الأمور
سبق و أن ذكرت بأن الإيجابية التي يتم نصحك بها عند التعرض للرفض فخ كارثي, و السبب كالآتي:
في مقال (ضبط النفس ما بين المبالغة في جلد الذات و تدليلها) ذكرت أنه يجدر بك الحفاظ على توازنك النفسي باتباع الخطوات و تطبيقها تدريجيا و يجدر الإعتماد على التحسن التدريجي لسبب واضح و هو عدم الإندفاعية, إليك دليلا شخصيا..
تعرضت للرفض كثيرا في جوانب عديدة من حياتي, بالطبع لم أولد و أنا أطبق مفهوم التقبل بل و اكتسبت هذه العادة تدريجيا لكن لم يكن الأمر سهلا, سأذكر لك مثالا : كلما كنت أتلقى بريدا إلكترونيا مضمونه أنني لم أحصل على المنحة الدراسية المطلوبة, كنت أحاول أن أكون (إيجابية) قدر الإمكان, لا بكاء, لا حزن, و كنت كلما أفكر في الموضوع أكتم دموعي و أمنعها, و أستخدم عملية إلهاء الدماغ فألهي نفسي بأي شيء كي لا أفكر, و كنت أقول لنفسي هناك من يعانون أكثر بكثير مني. إيجابيتي المطلقة أعطتني ضربة عكسية مؤلمة, لأنني استنفذت طاقتي كلها بصنع ردة فعل إيجابية وهمية, حطمت صحتي تماما, بت بعد ذلك أقل حماسا للتقديم على المنح مهما شعرت بأنها مناسبة, لأنني لا أرغب بالتعرض للرفض مجددا, و شعوري بالخزي من قدراتي كل مرة, و أصبح الأمر محرجا في كل مرة يسألني أحدهم عن هذا الأمر, لأنني لا أريد أن يرى أحد أنني (في نظره) لا أعمل من أجل مستقبلي, كذلك بت أشعر بأن الله لا يرى بأنني أستحق مثل هذه الفرص و أنه يراني أقل كفاءة من الآخرين.
علاج هذا الأمر تطلب جهدا (جبّارا), كنت أملك المادة الخام و هي ( الثقة و التفاؤل و حسن الظن) لكن استخدمتهم بشكل مفرط و غير مناسب, فلو أنني مثلا أخذت وقتي و أعطيت لنفسي مساحة للبكاء أو الشكوى حتى لو كانت شكوى لله, لكنت جددت طاقتي و عدت أبحث من جديد سواء عن منح أو عن فرص أخرى مختلفة, و لهذا إعادة التوازن تطلبت مني أن أدخل أسلوبا جديدا على حياتي و هو مسامحة الذات, لأنني كنت طوال حياتي في جهة جلد الذات المبالغ فيها و لم أعرف يوما كيف أكون لطيفة مع ذاتي و أتوقف عن لومها. اليوم حمداً لله أنا أقل صلابة مع مثل هذا الأمر, أتحدث عنه بأريحية و أتقبله تقبلا صحيا يجعلني أجدد طاقتي و أسامح نفسي و أتحمس من أجل فرص جديدة, و لهذا أكتب هذا المقال عزيزي القارئ, بالطبع لن اتحدث عن تجاربي ما لم أدرك بأنها مثال حي مفيد لمن يقرأ.
إذا أردت أنت تكون إيجابيا باعتدال و بطريقة صحية, طبق الأنماط جيدا و ركز على آخر نقطة ذكرتها في النمط الثاني و التي تتضمن فكرة أنك تمشي في طريق و مسار مختلف.
شيء آخر, التقبل صفة الأشخاص المتوازنون نفسيا أو القريبون من الاتزان, لذلك لا يمكنك أن تلزم الجميع بفعلها, فلو نجحت و أجدتها, لا يعني هذا قدرة الآخرين على فعل ذلك, حاول أن تتفهم ذلك إذا تعرض شخص قريب منك إلى تجربة رفض.
و مجددا, التقبل هنا الذي أتحدث عنه لا يتعلق بأمور ذاتية, بل بأمور حياتية, فقدرتك على تقبل الرفض لا تعني قدرتك على تقبل شيء لا تحبه ذاتيا, سواء طعام أو شخصية أو شكل أو عائلة, ما أتحدث عنه هو (تقبل مسار الحياة) و ليس تقبل ما تملكه أو ما لا تملكه.
يسعدني سماع آرائكم ❤
- آية عبد الله
****
cover photo: https://kellscounselling.ca/2019/10/15/ask-the-government-of-alberta-to-support-access-to-funded-psychological-services/
احلى شي عملتيه بحياتك انك صرتي تنزلي مقالاتك 😍♥️ والله شكرا كتير على كل كلمة كتبتيها
ردحذفوخليكي مستمرة دايماً وانا رح كون اول الناس يلي رح تقرألك ♥️♥️
ردحذف♥️♥️
ردحذف♥️♥️
ردحذف♥️♥️
ردحذف♥️♥️
ردحذف