ماذا ستفعل مقابل دولار؟
أنت الآن أكثر جدية في التعامل مع المهام أكثر من أي وقت مضى, و تقضي وقتك في إتمام الأعمال المفيدة التي ترسم لك صورة عن مستقبل يبدو لك أكثر إشراقا, و تتنوع مهامك ما بين مهام توجهها شغوف و مهام توجهها فضولي و أخرى توجهها إجباري, و لكنك منذ أن اتخذت قرارا بالعمل على ضبط إنتاجيتك و التزامك, أصبحت شخصا يمكن الوثوق فيه و هذا يجعلني فخورة بك عزيزي القارئ.
عموما...إذا كنا نريد أن نتحدث عن الالتزام المطلق فهذا أمر بعيد نوعا ما, لا يمكنك العمل لثماني ساعات متواصلة على شيء واحد على الأقل كل يوم, و أضمن لك أن هناك دائما ثغرة في التزامك مهما كنت شخصا جديا, و تقوم عادة بتنفيذ أمر|مهمة ما استغلالا لهذه الثغرة(كتصفح الهاتف بنية نصف ساعة فتتحول إلى ثلاث ساعات, تناول الغداء للمرة الرابعة, تحضير كوب من الشاي و أنت لا تحبه أصلا) و هذا ليس عيبا و لكنه غير مفيد, هذه المهام توجهها "توجه فراغي", و أود أن أسلط بعض الضوء على هذا التوجه أو بالأحرى مهام هذا التوجه لأنها قد تكون مفيدة أيضا, مبدئيا قمت بالإشارة إلى هذا التوجه في مقالي السابق : https://hereis-aya-blogs.blogspot.com/2020/05/blog-post.html(و أنصحك بقراءته إن كنت ترغب بالحصول على دفعة بسيطة تجعلك شخصا أكثر التزاما و إنجازا).
سأعطيك تذكيرا سريعا و مختصرا عن الأربع توجهات الرئيسية لأي مهمة:
1- التوجه الإجباري: تكون فيه المهمة إجبارية مقيدة بشيء ما كتاريخ تسليم أو درجة اختبار أو ترقية.
2- التوجه الفضولي: يأتي فجأة و يختفي فجأة و عادة تنهي المهمة بعد إشباع فضولك عنها.
3- التوجه الشغوف : يجعل المهام سلسة و ممتعة لأنها مليئة بالشغف و تجعل الشخص ينجزها دون شعور بالوقت.
4- و أخيرا التوجه الفراغي: المهام الفراغية تنتج بشعور الفرد إما بفراغ داخلي(أي فقدان الشغف) أو فراغ الوقت و هذا هو التوجه الذي سوف أركز عليه اليوم.
بالطبع مقال اليوم ليس عن التوجه الفراغي بحد ذاته, ربما يكون ذو نفع لمهام التوجهين الفضولي و الفراغي معا و ربما يؤدي أيضا لتطور و زيادة مهامك الشغوفة! و لكن بشكل عام يبدأ الأمر حينما تشعر بأنك ترغب بفعل شيء توجهه توجه فراغي. عزيزي القارئ إذا لم تفهم فإني أشجعك على قراءة المقال الذي أشرت إليه سابقا, ليس كله إذا لم ترغب بذلك, بإمكانك قراءة جزئية التوجهات فقط, حتى تفهم ما أعنيه بشكل عام.
إذا....ماذا ستفعل مقابل دولار؟
يبدأ الأمر عندما تشعر بأنك لا تريد فعل شيء, أو تريد فقط أن تشاهد فيديو مضحك عن القطط على يوتيوب, هناك شيء ما بداخلك يصرخ " يا صاح لديك اختبار غدا! استيقظ" هل تستيقط؟ غالبا لا, مقطع القطط يبدو أكثر إمتاعا, لكنك تشعر ببعض الذنب, و في نفس الوقت لا يمكن لعقلك تحمل المزيد من الرياضيات على الأقل للعشرة دقائق القادمة, ماذا أفعل؟ من هنا يجب عليك أن تسأل نفسك... ماذا سأفعل مقابل دولار؟
الدولار لا يساوي الكثير جدا من المال, و هذا هو الهدف, إذا فلتسأل نفسك: إذا جاء شخص ما و عرض علي دولارا مقابل خدمة أو شيء ما, ماذا سأفعل؟
يبدو الأمر سهلا أليس كذلك؟ أو لا؟
أعني ربما تكون قد تحمست للموضوع و بدأت بالتفكير, و من ثم بدأت تشعر بأنك لا تملك حقا ما تقدمه لهذا الشخص, أنت تريد أن تقدم خدمة تساوي حرفيا دولارا, لا أكثر منه و لا أقل, ماذا ستفعل؟
هذا المفهوم هو بداية جيدة من أجل "البحث" عن خدمتك التي سوف تقدمها للحصول على دولار, هذه الخدمة قد تكون أي شيء في العالم, لكن بمستوى بسيط جدا.
لا أعرف طريقة فهمك لمقصدي من هذا كله, لكنني أرغب بتقديم المزيد من الإيضاح ( إذا سمحت لي طبعا عزيزي القارئ)
هذا السؤال يعطيك مجالا للبدء في تعلم شيء يجعل منك قادرا على تقديم خدمة قيمتها بسيطة جدا كقيمة الدولار, إذا أنت لست ملزما بتعلم شيء لتصبح محترفا فيه, و لا حتى متوسط الاحترافية, و لا حتى متمكن منه! أنت بحاجة إلى أن تكون مبتدئ جدا و هذا يكفي.
لنعطيك أمثلة على ذلك:
* يمكنك أن تتعلم الرسم بالألوان المائية مثلا, و ترسم فيها زهرة بسيطة بأسلوبك الخاص, ثم تخيل شخصا شغوفا بالرسم و الفن أتى و رآها, ربما يشتريها بدولار!
*أو بإمكانك أن تتعلم كيف تكتب فقرة متكاملة, يعني فقرة من 6 أسطر مثلا, ثم تخيل قارئا شغوفا قرأ ما كتبته, و اشترحقوقك لهذه الفقرة بدولار!
*أو قرأت مقالا و أعجبك محتواه, و قمت بتلخيص ما قرأته و بدا لك بأنه تلخيص ممتاز, ثم تتخيل أن شخصا جاء و لا وقت لديه و يرغب في معرفة محتوى المقال و اعتمد على تلخيصك, قد يدفع لك دولارا!
*قد تشعر بالفضول تجاه لغة ما, و تقرر أن تترجم جملة أنت تحبها كثيرا و تبدو معبرة و عميقة, و تحفظها جيدا كتابة و قراءة و لفظا, ثم تتخيل شخصا شغوفا بتعلم هذه اللغة فأراد تعلم شيء جيد, فتعلمه هذه الجملة التي تحوي تشكيلة من الكلمات العميقة و القواعد المتقدمة مقابل دولار!
*قد تتعلم كيف تزيل خلفية الصور على برنامج فوتوشوب, ثم تتخيل مثلا أن يأتي صديق لك و قد التقط صورة لنفسه و لم تعجبه الخلفية, فتقوم بإزالتها و تغييرها من أجله, مقابل دولار.
*قد تلتقط صورة لنفسك و تتعلم كيف تعدلها تعديلا جيدا على أي برنامج, و تتخيل أن يأتيك شخص و يعجب بما فعلت و يطلب منك التعديل على صورته مقابل دولار!
*بإمكانك أن تجرب مجموعة صغيرة من التمارين الرياضية تستهدف دهون منطقة معينة, فتتخيل شخصا يعاني من مشكلة زيادة الدهون في ذات المنطقة, فتعلمه هذه التمارين مقابل دولار
*قد تحاول تزيين (غطاء أو cover) الهاتف ببعض الخرز أو الصور و القليل من الصمغ, فتتخيل إعجاب شخص ما بعملك و يسألك أن تقوم بتزيين غطاء الهاتف خاصته مقابل دولار!
*قد تحاول تزيين (غطاء أو cover) الهاتف ببعض الخرز أو الصور و القليل من الصمغ, فتتخيل إعجاب شخص ما بعملك و يسألك أن تقوم بتزيين غطاء الهاتف خاصته مقابل دولار!
و ملايين الأمور الأخرى..
أظن أن الصورة قد وضحت أكثر الآن, ربما تفكر..هل حقا سأحصل على دولار؟ أجل لكن ليس مباشرة, كيف؟
أولا, أنت تكتشف ذاتك, لست مضطرا لقضاء ساعة تتعلم فيها الفوتوشوب مثلا فقط لأنك لا تعرف فيما إذا كنت ترغب في التعلم ضمن هذا المجال أو لا, أنت تقضي أقل من عشرة دقائق تتعلم, و تكتشف قدراتك و ذاتك.
ثانيا, أنت تستثمر في ذاتك, هذا الاستثمار مضمون مئة بالمئة و سوف يفيدك و لو بأبسط نسبة ممكنة, و سوف ترى ذلك مع مرور الأيام.
ثالثا, قد تجد موهبتك الخفية, ربما تكتشف أنك تهوى الرسم, التصوير, القراءة, الكتابة, أو أي شيء آخر قد يخطر على بالك, أنت قد لا تدرك هذا في البداية و قد تأخذ وقتا لتلاحظ أنك تستمتع بما تقوم به, لكن دائما ما ستكون هناك قوى خفية تشجعك على فعل ذلك الأمر حتى تكتشف كم أنت موهوب فيه.
رابعا, لا تحتاج إلى الكثير من الأدوات, حتى البرامج التي قد تستخدمها سوف تكون بنسخة مجانية لأنك في النهاية لا ترغب باحترافها, لذلك لن تشعر بالعبء لتنفيذها.
خامسا, طريقة التفكير هذه سوف تجعل من كل وقت فراغ فرصة للتعبير عن ذاتك بأي طريقة, خصوصا عندما تكون فارغا داخليا أو خارجيا, فإن لم تستطع الكتابة تجرب رسم رسمة بسيطة مثلا على ورقة, أو قراءة جزء صغير من كتاب, حتى تصل إلى الأمر الذي يلهيك و تستفيد منه في ذات الوقت.
سادسا, قد تجد نفسك على معرفة و لو بسيطة بمهارة ما دون أن تدري, و قد تجد أن هذه المهارة مطلوبة و بشدة في مكان عملك أو في مدرستك و حتى في مشروع صغير, مما سوف يعطيك دفعة عظيمة من الطاقة الإيجابية و الشعور بالفخر.
سابعا, من يدري! قد يتحول الأمر من مجرد اكتشاف مهارة إلى عمل حر و من ثم مشروع حقيقي!المعجزات تحدث.
و أخيرا, لن تشعر بالذنب إذا ما هبطت طاقتك و لم تعد قادرا على فعل أي شيء, كما انك لن تشعر بالإحباط لانك لا تعرف كيف تتقن مهارة ما, أنت فقط "تضيع الوقت" بطريقة استثمارية عظيمة.
بالمناسبة, ما يميز هذه المهام أمران, أولا تلتزم بفعلها لمدة تقل عن عشرة دقائق و لست مضطرا لأكثر من ذلك, و ثانيا تتعلمها حتى تصل إلى مرحلة تشعر فيها بأن قيمتها تساوي دولارا, أي أنك تكون في المستوى المبتدئ جدا فيها و هذا كاف لمعرفة فيما إذا كنت تنوي الاستمرار معها أو تحبذ التغيير.
__
هذا المقال الصغير مجرد تذكير لك عزيزي القارئ ببعض الأمور, أولها و أهمها أنك لا تدري ما تحويه ذاتك و لا تدري ما الطاقة الكامنة التي تنتظر منك تحريرها و هذه فرصة لك لا تحتاج فيها لتخطيط مسبق أو مهارة متقنة او أدوات, فقط تحتاج ان تعطي نفسك فرصة للتجربة, كما أنني أحب أن أذكرك بأنك قد تتمنى أن ينقضي الوقت بسرعة حينما تشعر بالفراغ و تنسى أن ما تتمناه أن ينقضي هو جزء من عمرك, و الأدهى أن تستغل ما تستطيع منه, في النهاية ربما عليك إعطاء بعض من هذا الفراغ من أجل تقوية روحك سواء دينيا أو من خلال التأمل, و تذكر أن مسار حياتك قد يتغير بالكامل بفضل عشر دقائق استغللتها لتتعلم شيئا "من أجل دولار".
3|6|2020
آية عبد الله
______
مقال جدا رائع ومفيد بارك الله فيك ❤❤
ردحذف